→ جميع الرؤى

معظم المؤسسات الكبيرة موفورة الحظ من المشورة. فالبنوك توكل المحامين والمدققين والمستشارين بحكم العادة، والمجالس تتلقى أوراقاً يعدّها تنفيذيون أكفاء يعرفون العمل عن قرب. لكن حين يحلّ قرار مصيري حقاً، تحوّلٌ أو إعادة هيكلة أو استحواذ أو تعاقب، تكتشف مجالس كثيرة أن وفرة المشورة المتاحة لا تقول شيئاً يذكر عن حيادها. والسؤال المهم في تلك اللحظة يختلف بهدوء عن الأسئلة التي سبقته: من في هذه القاعة لا مصلحة له في الجواب؟

كل مستشار يجلس في موضع ما

الملاحظة بنيوية ولا اتهام فيها. فالفريق التنفيذي الذي أمضى ثمانية عشر شهراً في تطوير صفقة سيعرضها بقناعة، لأن الجهد المتواصل يولّد القناعة لدى الأكفاء. والمستشار الذي تتوقف أتعابه على الإتمام سيجد، بصدق تام، طريق الإتمام في كل مرة. والعلاقة المهنية القائمة تحمل تاريخها وثقلها التجاري وترددها في إزعاج عميل ثمين. لا شيء من هذا يجعل أحداً غير أمين؛ لكنه يجعله متموضعاً، والموضع يشكّل الحكم قبل أن تدخل النزاهة في النقاش بوقت طويل.

والمديرون المتمرسون يعرفون ذلك. أما الأقل حضوراً في الأذهان فهو كيف يتراكم الأثر. فكل صوت متموضع في قاعة المجلس يبدو مؤيداً للأصوات الأخرى، لأن مصالحها، على اختلافها، كثيراً ما تشير إلى الاتجاه نفسه. الإدارة تريد اعتماد المبادرة، ومستشار الصفقة يريد إغلاقها، والمكتب القائم يريد بقاء العلاقة على حالها. وقد يسمع المجلس ثلاثة آراء واثقة فيحسب اصطفاف المصالح تقارباً في التحليل.

التعقيد يركّز الخطر

في القرارات الاعتيادية تكفي ضمانات الإجراء المعتادة في الغالب. فالضوابط الراسخة والسوابق وخبرة الإدارة تبقي النتائج في نطاق مألوف. أما القرارات المعقدة فتسلك سلوكاً مختلفاً: تقطع عبر المالية والقانون والتنظيم والتشغيل دفعة واحدة، وترتكز إلى تقديرات يستطيع مهنيون عقلاء تحريكها جوهرياً في الاتجاهين، ما يعني أن التحليل سيستوعب الجواب الذي يفضله صاحبه. وهي فوق ذلك كثيراً ما تكون غير مألوفة للمؤسسة المقدمة عليها.

وعدم تكافؤ الخبرة يستحق انتباهاً خاصاً. فقد لا يواجه المجلس تحولاً مصرفياً أو تعاقباً جيلياً إلا مرة واحدة في عمره الجماعي، بينما قد يرى المستشارون عبر الطاولة عدة حالات مشابهة في السنة الواحدة. وحين يكون الطرف الأقل خبرة بالقرار معتمداً في معلوماته على الأطراف الأكثر مصلحة، تكتمل بهدوء شروط النتيجة الرديئة. لا يلزم لذلك إخفاق فردي؛ فالبنية تقوم بالعمل وحدها.

ما الذي يتطلبه الاستقلال فعلياً

يعامَل الاستقلال عادة بوصفه إعلاناً، سطراً في عرض أو بنداً في خطاب تكليف. وهو في الممارسة مجموعة شروط بنيوية، كل منها قابل للملاحظة.

أولاً، لا يجوز أن تتوقف اقتصاديات المستشار على الجواب. فالأتعاب المشروطة بالإتمام موقفٌ مهما قالت الصياغة المرافقة. وينبغي أن تكافئ اقتصاديات المشورة جودة الحكم، ولا شيء سواها.

ثانياً، يجب أن تكون المشورة رفيعة ومسمّاة. يتحسن الحكم المؤسسي حين يضع ممارس محدد اسمه على توصية محددة وهو يتوقع أن يجلس إلى الطاولة نفسها بعد سنوات. أما المساءلة الموزعة على فريق تكليف كبير فمساءلة بالاسم فقط.

ثالثاً، يجب أن يكون المستشار قادراً على تسليم خلاصة غير مرحب بها بكامل أتعابه. فاختبار العلاقة الاستشارية هو ما يحدث حين يكون الجواب الأمين هو الذي لم يتمنَّ أحد في القاعة سماعه. والمكتب الذي لم ينصح عميلاً قط بالتوقف أو الانتظار أو الانسحاب له سجل جدير بالفحص.

أسئلة يستطيع المجلس طرحها

لا يحتاج المديرون إطاراً لتطبيق هذا التفكير. ثلاثة أسئلة، تُطرح بوضوح، تكشف معظم ما يهم.

من المستفيد إذا مضى الأمر؟ ينبغي أن يشمل الجواب كل مستشار في القاعة، وأن يستطيع المجلس صياغة مصلحة كل طرف في جملة واحدة.

متى نصح هذا المستشار بعدم المضي في صفقة مشابهة؟ الأمثلة المحددة، حين تقدَّم بلا تردد، هي علامة الاستقلال الحقيقي. والعموميات علامة غيابه.

ما الذي يجب أن يكون صحيحاً لتكون هذه التوصية خاطئة؟ المستشار المتموضع يقاوم السؤال لأن الجواب يضعف الحجة. والمستقل يجده في الغالب محفزاً، لأن اختبار التحليل بالضغط هو بالضبط ما استُعين به لأجله.

الصراحة هي المنتَج

اقتصاديات المشورة المستقلة واضحة. كلفتها أتعاب مهنية ثابتة ومرئية. وقيمتها جملة صريحة تقال مبكراً بما يكفي للتصرف بموجبها، وسجل الخسائر المؤسسية الكبيرة هو، إلى حد لافت، سجل جمل صريحة لم تقل قط. وقياساً إلى حجم تحول أو استحواذ أو تعاقب، فإن كلفة مستشار واحد لا مصلحة له في النتيجة من أصغر بنود البرنامج. والمجالس التي تعدّها ترفاً حوكمياً تتعلم قيمتها لاحقاً بكلفة أكبر بكثير.

تقدم SNP Consulting مشورة مستقلة يقودها ممارسون لمجالس الإدارة والمؤسسات والشركات العائلية في عُمان ودول الخليج. لمناقشة تكليف بسرية، تواصل عبر [email protected].