تتركز غالبية الثروة الخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي في الشركات العائلية، التي بناها على مدى عقود مؤسسون يسلّمون اليوم، وبأعداد كبيرة، زمام القيادة لأبنائهم وأحفادهم. بعض هذه العائلات استعدت لهذه اللحظة بتخطيط مسبق. وكثير منها لا يدرك حجم المهمة إلا بعد أن تكون الظروف، لا التخطيط، قد وضعت الانتقال بالفعل موضع التنفيذ.
وهذه الفجوة بين الاستعداد والنتيجة هي ما تسعى الحوكمة إلى سدها، وإن كان المصطلح يحمل هنا معنى أضيق وأكثر فائدة مما يوحي به استخدامه المعتاد في عالم الشركات.
ماهية الحوكمة العائلية فعلياً
تُعنى حوكمة الشركات المدرجة بإدارة علاقة واحدة: المسافة بين المساهمين والإدارة التي تدير الشركة نيابة عنهم. أما الشركة العائلية فتحمل فوق ذلك علاقة أخرى أصعب، لأن أفراد العائلة يشغلون عادة ثلاثة أدوار في آن واحد: بصفتهم أقارب، وبصفتهم ملاكاً، وبصفتهم مشاركين في الأعمال أو مراقبين لها. فالخلاف حول سياسة توزيع الأرباح هو في جوهره سؤال يخص الملاك. وطلب إسناد منصب إداري لأحد الأقارب هو سؤال يخص العائلة. ومقاومة مدير من خارج العائلة لكلا الطلبين هو سؤال يخص الأعمال.
وليس أي من هذه المواقف الثلاثة خاطئاً في حد ذاته. لكن المعضلة أن هذه الأنواع الثلاثة من الأسئلة تُحسم عادة في المكان غير الرسمي نفسه، من دون أن يُتفق أولاً على نوع السؤال المطروح. والحوكمة السليمة تفصل هذه الأدوار عمداً، فتمنح مسائل العائلة، ومسائل الملكية، ومسائل الأعمال، كلاً منها منتداه الخاص، بعضويته وسلطته في اتخاذ القرار.
ثلاث أدوات بترتيب محدد
ترتكز هذه المهمة في معظم الشركات العائلية الخليجية جيدة الإدارة على ثلاث أدوات، والترتيب الذي تعتمد به العائلة هذه الأدوات يحدد مدى صمودها.
الأداة الأولى هي دستور العائلة. وهو الآلية التي تلتزم من خلالها العائلة، في وقت تكون فيه العلاقات مستقرة، بمجموعة من المبادئ المشتركة كانت ستُرتجل تحت الضغط لو لم تُحسم مسبقاً. وقوته أخلاقية لا قانونية، وفي ذلك تكمن قيمته الحقيقية: فالسلطة المكتسبة بالاتفاق تدوم عادة أطول من أي سلطة تفرضها وثيقة وحدها.
وتأتي بعده مجلس العائلة، فيمنح تلك المبادئ جهة راعية دائمة منفصلة عن مجلس الإدارة. وغرضه الأهم ليس حسم قرار بعينه، بل رسم حدود واضحة، بحيث تُعالَج مسائل العائلة بصفتها مسائل عائلة ولا تُخلَط بأعمال مجلس الإدارة.
وتشكيل مجلس الإدارة هو الأداة الثالثة، وأكثرها صعوبة في التغيير عند معظم العائلات، لأن العقبة نادراً ما تكون إجرائية. فالمسألة تتعلق بمن يجلس في القاعة. ومجلس الإدارة الذي يضم تمثيلاً مستقلاً حقيقياً يغيّر طبيعة كل قرار يمر عبره، إذ يُختبر حكم كان سيُسلَّم به لولا ذلك.
وللتسلسل هنا أهمية توازي أهمية المضمون. فالدستور الذي يُتفق عليه قبل استقرار قيم العائلة الأساسية غالباً ما لا يصمد. والمجلس الذي يُشكَّل قبل وجود الدستور لا يملك مرجعية مشتركة يستند إليها، فينزلق إلى تكرار الخلافات نفسها التي لم تُحسم. والمديرون المستقلون الذين يُعيَّنون قبل أن تحسم العائلة توقعاتها الخاصة يرثون نزاعات لم تكن يوماً من اختصاصهم. والترتيب الذي يميل إلى الاستمرار هو: الدستور، ثم المجلس، ثم مجلس الإدارة.
كيف تحل البنية مسألة التعاقب
يصبح التعاقب صعباً حقاً حين يُعامل باعتباره اختياراً قيادياً واحداً بين أفراد العائلة، وهو سؤال قلة من العائلات تحسمه من دون احتكاك دائم. ومجلس الإدارة الفاعل يخفف كثيراً من هذه الصعوبة بفصله قيادة الأعمال عن قيادة العائلة، بحيث يتوقف اختيار الرئيس التنفيذي عن أن يُقرأ حكماً على مكانة أحد داخل العائلة. ويمكن للدستور أن يقرر، قبل أي تسليم فعلي بوقت كافٍ، أن المناصب الإدارية تُكتسب بالخبرة الخارجية والأداء المثبت لا بترتيب الولادة. ويمكن للمجلس أن يمضي سنوات في إعداد الجيل القادم الأوسع ليكون مالكاً كفؤاً، وهو انضباط مختلف عن إدارة الشركة تستثمر فيه المنطقة أقل بكثير مما ينبغي. وبحلول وقت اختيار الرئيس التنفيذي فعلياً، يكون القرار مستنداً إلى سنوات من العمل التأسيسي، لا إلى محادثة واحدة صعبة.
واقعان إقليميان
ثمة جانبان من السياق الخليجي يسهل التهاون في تقديرهما.
فرقم انتقال الثروة المذكور تقدير لا رقم محسوم، ويستحق أن يُعامل على هذا الأساس. فتقدير أضيق، يخص تحديداً الأفراد الخليجيين ذوي الثروات الطائلة، يضع قيمة الأصول المتوقع انتقالها إلى الجيل القادم بحلول عام ٢٠٣٥ بين خمسمائة وسبعمائة مليار دولار أمريكي، وهو رقم أقل بكثير من تقدير التريليون دولار الذي يشمل أصولاً عائلية وتجارية أوسع. ويشير التقديران إلى الاتجاه نفسه: إذ بات جزء كبير من الثروة الخاصة الخليجية على بعد جيل واحد من تغيير يدها، أياً كان الرقم الدقيق الذي سيثبت لاحقاً.
والجانب الأول الذي يستحق معالجة مباشرة هو هيكلة الثروة والميراث بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية. فقواعد الميراث الجبري بموجب أحكام الميراث الإسلامي تحدد كيفية توزع الملكية بين الورثة، والدستور الذي يُصاغ من دون مراعاة هذا الإطار لن يصمد أمام تركة فعلية. ويجب أن تُبنى الشركات القابضة والمؤسسات والترتيبات الشبيهة بالوقف، المستخدمة لإدارة الثروة العائلية، حول قواعد الميراث التي تخضع لها العائلة فعلياً، لا حول نموذج مستعار من نظام قانون عام ذي منطلق مختلف.
والجانب الثاني هو التفاوت في تحرك الحكومات الخليجية لدعم استمرارية الشركات العائلية. فقد أصدرت الإمارات العربية المتحدة قانوناً اتحادياً للشركات العائلية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم ١٠٩ لسنة ٢٠٢٣، الساري منذ يناير من العام نفسه، الذي أنشأ السجل الموحد للشركات العائلية تحت مظلة وزارة الاقتصاد. ويمنح التسجيل الشركة العائلية اعترافاً قانونياً رسمياً، وشهادة قيادة، وإمكانية الوصول إلى آلية ميثاق قانونية اختيارية. وبنت السعودية نظاماً مماثلاً في الغرض لكنه مصمم بشكل مستقل: إذ أصدرت وزارة التجارة ميثاقاً استرشادياً للشركات العائلية عام ٢٠١٨، ثم جاء نظام الشركات المعتمد عام ٢٠٢٢ ليشجع صراحة على اعتماد الميثاق العائلي أداةً لإدارة تعاقب الملكية والإدارة، إلى جانب المركز الوطني للشركات العائلية الذي يقدم اليوم دعماً في الحوكمة وتسوية النزاعات إلى جانب هذا الإطار القانوني. أما عُمان فلم تصدر حتى الآن تشريعاً مخصصاً مماثلاً، وتواصل الشركات العائلية هناك بناء حوكمتها طوعياً ضمن قانون الشركات التجارية العام، وهو ما يترك قدراً أكبر من المبادرة على عاتق العائلة نفسها. وأي شركة عائلية تعمل عبر أكثر من واحدة من هذه الدول الثلاث تحتاج إلى حوكمة تراعي كل هذه الفروق، إذ لا يوجد حالياً معيار خليجي موحد.
نقطة الانطلاق الصحيحة
تميل معظم العائلات إلى البدء بوثيقة. غير أن نقطة الانطلاق الأجدى هي نظرة صادقة إلى أين تُتخذ القرارات فعلياً اليوم، وأين يظهر الاحتكاك، وما الذي يتوقعه كل جيل من الأعمال ومن الآخر. والدستور الذي يُصاغ قبل هذه النظرة يصف عادة العائلة كما تمنى المؤسسون أن تكون، لا كما هي فعلاً، ونادراً ما يصمد أمام تعاقب حقيقي. والعائلات التي تجتاز الانتقال بنجاح هي عادة تلك التي تعكس حوكمتها طريقة عملها الفعلية، واعتُمدت في وقت مبكر يتيح لها النضج قبل أن تُختبر، لا تلك التي تملك أعقد الأوراق.
وبالنسبة لمجالس الإدارة وأصحاب العائلات، فإن الأثر العملي يتعلق بفهم العائلة لذاتها أكثر مما يتعلق بأي وثيقة تُصاغ أولاً: كيف تُتخذ القرارات فعلياً، وهل مجلس إدارتها مؤهل لاختبار حكم المؤسس لا لمجرد التسليم به، ومدى الجدية التي يُعَد بها الجيل القادم ليكون مالكاً للأعمال لا وارثاً للقب فحسب. والعائلات القادرة على الإجابة عن هذه الأسئلة بصدق تكون قد أنجزت بالفعل جزءاً كبيراً من العمل الذي يتطلبه تعاقب مُدار جيداً.
المصادر: Strategy& (PwC)، Khaleej Times، وزارة الاقتصاد الإماراتية، وزارة التجارة السعودية.
تقدم شركة SNP Consulting خدماتها الاستشارية للشركات العائلية في سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي في مجالات تصميم أطر الحوكمة العائلية، بما في ذلك دساتير العائلة ومجالسها وتشكيل مجالس الإدارة، إلى جانب دعم تخطيط التعاقب وهيكلة الثروات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. لمناقشة تكليف استشاري، يرجى التواصل عبر [email protected].